قصص من التاريخ الإسلامي… فقهاء لكنهم موسيقيون

قال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ/1448م) في ‘الدرر الكامنة‘: “مَرّ ابْنُ كُرٍّ (الحنبلي ت 763هـ/1362م) على قوم يغنّون فحرّك بغلتَه حَتَّى مشتْ على إيقاعهم، وَهَذَا أعجب مَا يُحْكَى”!!

وبالفعل إن هذه من العجائب! فهذا الفقيه الحنبلي والمحدِّث المشهور -في عصره- والمشهود له بالعلم والاستقامة لا يطرب ويستأنس بالعزف الموسيقي فحسب؛ بل إنه يوصل هذا الإحساس الدقيق إلى دابته فترقص مع الإيقاع، وهذا سلوك في غاية الاحتراف والرهافة!

من الواضح أن ابن كُرٍّ لم يكن مجرد شخص يقظ للنغم المطرب كما تكشفه هذه القصة ونظائرها، وإنما هو أيضا متبحر في أسرار الموسيقى ودقائق صنعتها؛ فهو مؤلِّف موسيقي من طراز رفيع وناقد لأعمال سابقيه من نوابغ الموسيقيين، وكذلك هو ناشر لثقافته الموسيقية بين طلابه بعد أن تلقاها عن فقيه حنبلي آخر!!

لعل في هذا الاستطراد ما يكشف عن مرامي هذا المقال؛ فهو لا يغوص بقارئه في المناقشات المألوفة بشأن إباحة أو حرمة الموسيقى، بل يتخذ نهجا آخر غير مطروق هو الكشف عن جوانب شبه مجهولة أو مغيبة من التاريخ الثقافي والاجتماعي لطائفة من أعلام المنتمين إلى النخبة العلمية الدينية/الشرعية (فقهاء ومحدثين وقرّاء ومتصوفة)، وتحديدا من زاوية حضور الموسيقى في حياتهم اليومية تثقيفا وترفيها.

فالمقال إذن لا يرصد حياة الموسيقيين المتفرغين لاحتراف العزف والغناء أو أتباعهم من “الغاوين”، ولا يتوسع به الأمر إلى طوائف أخرى من مشاهير علماء الأمة في العلوم الأدبية أو الفلسفية والطبيعية، أو من خلفائها وأمرائها ورجال دولها، مهما كانت جلالة مكانتهم أو متانة ديانتهم؛ فكل أولئك لا غرابة أو مفارقة أو جِدَّة في ذِكْر مواقفهم من الموسيقى إباحة وممارسة.

ولئن كان الهدف من هذا العرض ليس بناء موقف علمي أو شرعي من أحد طرفيْ الخلاف الفقهي في الموسيقى، لأنه غني عن البيان أن أفعال البشر -مهما علت مراتبُهم- ليست دليلا شرعيا معتبَرا في باب الحظر أو الإباحة؛ فإنه مع ذلك لا يمكن إغفال أن استقراء هذه الممارسات لدى العشرات من عظماء العلماء يعطي مؤشرا على سعة أفق علمائنا الأقدمين في فهم ما ورد من أدلة بشأن الغناء سماعا وممارسة.

وتلك هي المفارقة العجيبة في هذا الموضوع؛ إذْ تكشف لنا النصوص الوافرة في تاريخنا الثقافي أن المجتمعات الإسلامية عرفت الموسيقى مهنة تُتداول وتُتوارث، وثقافة عامة منتشرة في مختلف طبقات المجتمع وإن بتفاوت ملحوظ، كما عرفتها حالة مزاجية راقت لصنف من الثقات المنقطعين للمعارف الاسلامية العالية التي تحتاج إلى الوقت والانقطاع الطويل.

ويبقى الأعجب من ذلك أن المذكورين هنا من المتصلين بالموسيقى -من الفقهاء والمحدثين والمتصوفة- ليسوا من أهل التهتك أو المجون في حياتهم، أو من المهمَلين في معارفهم ومروياتهم، بل كانوا رؤوسا في مذاهبهم وطبقاتهم، راسخين في علومهم وإمامتهم وعدالتهم، على ما رصده وأثبته ثقاتُ المؤرخين المشترِكين معهم في نفس التخصصات والصفات، والذين لم يجدوا حرجا في توثيق حضور ثقافة الموسيقى -إلى جانب علوم الشرع- في تراجم أولئك الأئمة الأعلام!!

سُنّة حضارية
تعدّ قضية الغِناء/الموسيقى من المسائل الفقهية الجدلية في التراث الإسلامي، فكم من كُتُب ألِّفتْ ونقاشات جرت في الخلاف بشأن حكمها الشرعيّ. لكننا في هذا المقال سنعرضها من وجه آخر، وهو التعاطي مع الموسيقى سماعا ومدارسةً وممارسةً لدى عدد وافر من المعدودين في فئة علماء الشريعة وأشباههم، من الفقهاء والمحدّثين والقُرّاء والمؤذنين والوعاظ والمتصوفين، وكيف كانت الموسيقى واقعيا جزءا من تكوينهم الثقافي وسلوكهم الترفيهي.

فقد نظر مؤرخو الإسلام إلى الموسيقى باعتبارها علما قائماً بذاته ضمن الفنون والصناعات الثقافية في المدنية الإسلامية على غرار جميع الحضارات البشرية، ولذا أفرد لها الفقيه القاضي المالكي والمؤرخ ابن خلدون (ت 808/1404م) فصلا -في ‘المقدمة‘- بعنوان: “فصل في صناعة الغناء”، وذلك في سياق تأريخه لمختلف العلوم والصنائع الناشئة نتيجة لـ”طبائع العمران”، فتحدث عن نشأة الغناء وتطور صناعته وآلاته في أقطار وأمصار الحضارة الإسلامية عبر القرون مشرقا ومغربا.

وقد انعكس هذا الواقع عمليا في انشغال علماء الإسلام -منذ الصدر الأول- ببيان حكمِ الغناء سماعا وممارسة، وهو ما تبلور لاحقا في مؤلفات عديدة خُصصت لهذه القضية كغيرها من الظواهر المجتمعية ذات الصلة بالعادات والمعاملات. فالإمام أبو حامد الغزالي (ت 505هـ/1111م) مثلا يتناول هذه المسألة بالبحث والمناقشة في جزء من كتابه ‘إحياء علوم الدين‘، ملخصا حصيلة أربعة قرون من الجدل الفقهي والصوفي فيها.

كما أفردها معاصره المحدِّث والفقيه الظاهري المذهب أبو الفضل محمد بن طاهر القَيْسَراني (ت 507هـ/1113م) بمصنّف صغير بعنوان “كتاب السَّماع” أي الغِناء. ويخبرنا مجد الدين الفيروزآبادي (ت 817هـ/1414م) -في كتابه ‘البُلْغة‘- أن أحمد بن محمد الأزدي الإشبيلي (ت 647هـ/1249م) له “مصنَّف في حُكم السَّماع”.

ولابن حزم الأندلسي (ت 456هـ/1065م) تأليف بعنوان: ‘رسالة في الغناء المُلْهِي: أمباحٌ هو أم محظور؟‘، كما صنَّف ابن تيمية (ت 728هـ/1328م) ‘رسالة السماع والرقص‘، ويُذْكَر ضمن مؤلفات الإمام الذهبي (ت 748هـ/1347م) مصنَّف بعنوان: “رسالة الرخصة في الغِناء والطرب بشرطه”.

ثم تواصلت الكتب والرسائل في الموضوع إلى عصر الإمام السلفي محمد بن علي الشوكاني (ت 1250هـ/1834م) الذي وضع فتوى في هيئة رسالة سمّاها: “إبطال دعوى الإجماع في تحريم مُطلَق السماع”، ومن غرائب ما جاء فيها الإشارة إلى كتاب لأبي الفتوح الغزالي (ت 520هـ/1126م) بعنوان: “بوارق الإلماع في تكفير مَنْ يحرِّم السماع”!! وأبو الفتوح هذا فقيه وأخ للإمام أبي حامد الغزالي.

على أن ما يعنينا هنا -كما سبق القول- ليس الخوض في الجدل الفقهي بشأن حكم الموسيقى، بل الحديث عن جانب حضاري للمسألة شبه مغيب في هذا السياق، وهو حضور الموسيقى في حياة فئة من أعلام علماء الإسلام تجاوزت الموقف النظري القائل بإباحة الموسيقى إلى التعاطي معها اجتماعا وسماعا أو مدارسة وممارسة، دون أن يتوسع بنا الأمر إلى طوائف أخرى من مشاهير علماء الأمة في العلوم الأدبية أو الفلسفية والطبيعية.
نشأة مدنية
كانت فنون الغناء حاضرة في المجتمع الإسلامي خلال العصر الأول في أيام الصحابة، بل وفي العهد النبوي كما نرى في أسماء مغنيات المدينة آنذاك التي أوردها الحافظ ابن حجر في كتابه ‘الإصابة في تمييز الصحابة‘، فكان منهن وفقا لتعريفاته لهن: “أرنب المدنية المغنية” و”أسماء مغنية عائشة” و”جميلة المغنية” و”حمامة المغنية من جواري الأنصار”.

ويقدم لنا الإمام الشوكاني السلفي -في رسالته السالفة الذِّكر- خلاصة بأسماء الصحابة الذين ثبتت قصص سماعهم الغناء بـ”نقْل الأثبات من المؤرخين”؛ فذكر أن “عبد الله بن الزبير (ت 73هـ/693م) كان له جَوارٍ عوَّاداتٍ” أي يغنين بآلة العُود، وأن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (ت 80هـ/700م).. كان لا يرى بالغناء بأسا ويصوغ الألحان لجواريه، ويسمعها منهن على أوتاره، وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين عليّ (ت 40هـ/661م)”.

وأضاف أنه “حكَى الماوردي (ت 450هـ/1059م) عن معاوية (بن أبي سفيان ت 60هـ/681م) وعمرو بن العاص (ت 43هـ/664م) أنهما سمعا العُود عند ابن جعفر” في بيته.

ثم أورد الشوكاني -وهو الإمام ذو المشرب الأثري السلفي- هذه القصة ذات الدلالة البليغة؛ فقال: “وروى الحافظ أبو محمد بن حزم (ت 456هـ/1065م) -في رسالته في السَّماع بسنده إلى ابن سيرين (الإمام التابعي ت 110هـ/729م)- قال: إن رجلا قدم المدينة بجَوارٍ فنزل على عبد الله بن عمر (ت 73هـ/693م)، وفيهن جارية تضرِب [العود]، فجاء رجل فساومه فلم يَهْوَ منهن شيئا!

قال [ابن عمر]: انطلِق إلى رجل هو أمْثَلُ (= أفْضلُ) لك بيعا من هذا! قال: مَنْ هو؟ قال: عبد الله بن جعفر، فعرضهن عليه، فأمر جارية منهن فقال لها: خذي العود، فأخذته وغنت، فبايعه”! ويعلق ابن حزم على القصة قائلا: “فهذا ابن عمر وابن جعفر سمعا الغناء بالعود، وسعى ابن عمر في البيع”، أي في مساعدة التاجر على بيع جواريه المغنيات!!

ونطالع في كتب الحديث النبوي حكايات أخرى عن سماع رجال من الصحابة للغناء، منها هذه الرواية التي جاءت في كتاب ‘المُستدرَك على الصحيحين‘ للإمام المحدِّث أبي عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405هـ/1015م): “عن عامر بن سعد (بن أبي وقّاص ت 106هـ/725م) قال: دخلتُ على قَرَظَة بن كعب (الأنصاري ت بعد 37هـ/658م) وأبي مسعود الأنصاري (عقبة بن عمرو ت 42هـ/663م) -رضي الله عنهما- في عُرس وإذا جَوارٍ يُغنّين!!

فقلتُ: أنتم أصحابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأهلُ بدر يُفعَل هذا عندكم؟! فقالا: إن شئتَ فأقم معنا وإن شئتَ فاذهب، فإنه «رُخِّصَ لنا [شرعاً] في اللهو عند العُرس»”! وراوي هذه القصة عامر بن سعد وصفه الذهبي -في ‘السِّيَر‘- بأنه “إمام ثقة”.
تابعيون موسيقيون
ثم سار عدد من أجلّاء علماء التابعين فمن بعدهم على النهج ذاته في التعاطي مع الغناء ومجالسه؛ إذْ “كان الغناء في الصدر الأول [من تاريخ الإسلام] من أجزاء.. [فن الأدب] لِمَا هو تابعٌ للشعر، إذ الغناء إنما هو تلحينه…؛ فلم يكن انتحاله (= الغناء) قادحا في العدالة والمروءة”؛ طبقا لابن خلدون.

ومن ذلك ما جاء في ترجمة الذهبي -في ‘تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال‘- للإمام التابعي المفسِّر عكرمة البربري (ت 107هـ/726م) مولى عبد الله بن عباس (ت 68هـ/688م) أنه “كان يسمع الغناء”. كما تحدثت كتب التراجم ورجال الحديث عن قصة المغنية “سلّامة القِسِّ”، وصاحبها محدِّث مكي من رجال الحديث في “صحيح مسلم”، ومن فقهاء التابعين الكبار، وله مرويات فقهية في كتاب “الأم” للإمام الشافعي (ت 204هـ/820م).

كان اسم هذا العالم المحدِّث: عبد الرحمن بن أبي عمار القرشي (ت نحو 110هـ/729م)؛ وطبقا للمؤرخ ابن الأثير -في كتابه ‘الكامل‘- فإنه كان “فقيها عابدا مجتهدا في العبادة، وكان يُسمَّى القسّ لعبادته، [وقد] مرّ يوما بمنزل مولاها (= مولى سلّامة المغنية) فسمع غناءها فوقف يسمعه”! فكانت تلك الوقفة بدايةً لعلاقة حب عذري بين هذا الفقيه العابد والجارية المغنية شغلت أخبارُها أهلَ مكة آنذاك، ثم انشغلت بتناقلها بعدهم كتب التاريخ والأدب عبر القرون!

ومثله ما يذكره الإمام المحدِّث المِزيّ الشافعي (ت 742هـ/1341م) -في ‘تهذيب الكمال‘- عن فقيه المدينة النبوية التابعي يعقوب بن أبي سلمة القرشي الملقَّب بالماجَشُون (ت 124هـ/743م)، من أنه “كان يعْلَم الغناء ويتخذ القِيَان (= الجواري المغنيات) ظاهرا أمره في ذلك، وكان يجالس عروة بن الزبير (ت 74هـ/694م) وعمر بن عبد العزيز (ت 101هـ/720م) في إمرته”. وأضاف المزي: “كان الماجشون أولَ من علِم الغناء من أهل المروءة بالمدينة”.

ومن ثم تعاطى عدد من المحدثين مع الغناء سماعا له وتعلما لصناعته، بل وممارسة لها في بعض الأحيان هوايةً أو تكسُّباً؛ فهذا الحافظ الذهبي يترجم -في ‘سير أعلام النبلاء‘- للإمام المحدِّث المدني إبراهيم بن سعد القرشي الزهري (ت بعد 184هـ/800م)، فيذكر تلمذته لإمام محدِّث وتابعي كبير مثل ابن شهاب الزهري (ت 124هـ/743م)، ومشيخته لأئمة محدّثين وفقهاء عظماء من قبيل: شعبة بن الحَجّاج (ت 160هـ/778م) والليث بن سعد (ت 175هـ/792م) وعبد الرحمن بن مَهْدي (ت 198هـ/814م) وأحمد بن حنبل (ت 241هـ/855م).

ثم يصف الذهبيُّ الإمامَ إبراهيمَ بن سعد بأنه “كان ثقة صدوقا، صاحب حديث، وثَّقه الإمام أحمد. قلت (= الذهبيّ): كان ممن يترخَّص في الغناء على عادة أهل المدينة، وكأنه لِيمَ (= انتُقِد) في ذلك، فانزعج على المحدِّثين وحلف أنه لا يحدِّث [بالحديث النبوي] حتى يغنِّي قبله، فيما قيل”!!

يمين مغلظة
ويشير الذهبي بعبارته الأخيرة إلى ما أورده الإمام المحدِّث الخطيب البغدادي (ت 463هـ/1071م) -في ‘تاريخ بغداد‘- من أن إبراهيمَ بن سعد الزهري -الذي يصفه بأنه “من أكثر أهل المدينة حديثا في زمانه”!- جاء إلى العراق سنة 184هـ/800م “فأكرمه الرشيد..، وسُئِل عن الغناء فأفتى بتحليله، وأتاه بعضُ أصحاب الحديث ليسمع منه أحاديث الزهري، فسمعه يتغنى، فقال: لقد كنتُ حريصا على أن أسمع منك [الحديث النبوي]، فأما الآن فلا سمعتُ منك حديثا أبدا! فقال: إذن لا أفقِدُ إلا شخصَك! عليّ وعليّ (= ألفاظ اليمين) إن حدَّثتُ ببغداد ما أقمتُ [فيها] حديثا حتى أغنِّي قبله”!!

ويضيف البغدادي أنه “شاعت هذه [القصة] عنه ببغداد، فبلغت الرشيد فدعا به فسأله عن حديث المخزومية التي قطعها النبي صلى الله عليه وسلم في سرقة الحلي، فدعا بعود، فقال الرشيد: أعودُ المِجْمَرِ؟ قال: لا، ولكن عُود الطرب! فتبسم [الرشيد]، ففهمها إبراهيم بن سعد فقال: لعله بلغك -يا أمير المؤمنين- حديثُ السفيه الذي آذاني بالأمس، وألجأني إلى أن حلفتُ؟ قال: نعم، ودعا له الرشيد بعُود فغنّاه” أبياتا للشاعر الغزلي عمر بن أبي ربيعة المخزومي (ت 93هـ/713م)!!

فهذا شيخ كبير من مشايخ أهل الحديث، أثنى عليه إمام السُّنة أحمد بن حنبل وغيره من أكابر المحدثين، ومع ذلك فقد كان لا يترخص في سماع الغناء فحسب بل يتعاطى ممارسته عمليا لمهارته فيه، بل ويُقْسم أيمانا مغلظة على العزف بالعود قبل أن يحدّث بمروياته من الحديث النبوي!!

ويخبرنا الذهبيّ -وهو الحنبليّ أصولا الشافعي فروعا- أنّ طريقة ابن سعد الزهري كانت موافقة لـ”عادة أهل المدينة”، الذين كان كثير من علمائهم وقضاتهم يترخصون في سماع الغناء وبالتالي في ممارسته، إذْ الغناء عندهم “لم يكن انتحاله قادحا في العدالة والمروءة”؛ طبقا لما نقلناه عن ابن خلدون.

ولم يكتف الذهبي بذلك التخريج، بل دافع صراحة عن مكانة ابن سعد الزهري منتقدا تشكيك بعض المحدّثين في روايته لما كان يتعاطاه من الموسيقى؛ فقال في كتابه ‘الرواة الثقات المتكلَّم فيهم بما لا يوجِب ردَّهم‘: “إِبْرَاهِيم بن سعد: من أَئِمَّة الْعلم وثقات الْمَدَنِيين، كَانَ يُجوِّز سَماعَ الملاهي (= آلات الغناء) وَلَا يجد دَلِيلا ناهضا على التَّحْرِيم، فأداه اجْتِهَاده إِلَى الرُّخْصَة؛ فَكَانَ مَاذَا؟!” أي فما الغريب في ذلك التأوُّل وهو صنيع العلماء في كل خلاف فقهي! ثم ختم قائلا: “قلتُ: اتّفق أَرْبَابُ الصِّحَاح على الِاحْتِجَاج بإبراهيم بن سعد مُطلقًا” رغم ما كان يتعاطاه من الموسيقى!!

وكلام الذهبي يوحي برفضه سلوك بعض طلبة الحديث حين يتركون الرواية عن محدّثين ثقات ضابطين لمجرد تعاطيهم الغناء، كما حصل مثلا مع شيخ المحدِّث الكبير ابن عساكر الدمشقي (ت 571هـ/1175م): غالب بن أَحْمَد الأَدَميّ البغداديّ (ت 530هـ/1136م) الذي يصفه الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- بأنه “القارئ بالألحان المغنّي بالقضيب”، ثم يذكر أنه “امتنع بعضهم من السّماع منه للغناءِ”.

صور من التاريخ الإسلامي - الأئمة 1

أجيال متعاقبة
ومن المعروف أن صناعة الغناء انتشرت في المدينة المنورة حتى تعلمها كثير من شباب مجتمعها، بمن فيهم الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ/796م) الذي تعلمها -وهو شاب صغير- على أساتذتها بالمدينة المشرفة.

وفي ذلك يقول الإمام أبو عبد الله القرطبيّ المالكي (ت 671هـ/1272م) -في ‘الجامع لأحكام القرآن‘- عند تفسيره للآية 6 من سورة لقمان: “قال ابن خُوَيْزِ مَنْداد (ت 179هـ/796م): فأما مالك فيقال عنه: إنه كان عالما بالصناعة وكان مذهبه تحريمها. ورُوي عنه أنه قال: تعلمت هذه الصناعة وأنا غلام شاب، فقالت لي أمي: أيْ بُني! إن هذه الصناعة يصلح لها من كان صبيح الوجه ولستَ كذلك، فاطلب العلومَ الدينية؛ فصحبتُ ربيعة (بن عبد الرحمن ت 136هـ/754م) فجعل الله في ذلك خيرا”.

وهذا البيان الأخير يدلّ على أنّ مالك تعلم الصنعة -إن صحت هذه الرواية- قبل الاشتغال بالعلوم الدينية، وفي مجتمع لم يكن يرى في ذلك بأسا للكبار قبل الصغار. لكن يبقى الإشكال قائماً لأنّ المعروف عن مالك أنّه بدأ مرحلة الطلب مبكراً، وتصدّر للتدريس والإفتاء وهو صغير، كما أن ما ذُكِر من وصف أمه إياه بعدم صباحة الوجه معارَض بما نقله القاضي عياض (ت 544هـ/1149م) -في ‘ترتيب المدارك‘- من قول أحد تلامذته: “ما رأيتُ محدِّثا أحسنَ وجها من مالك”، وقول آخر: “ما رأيتُ قطُّ بياضا ولا حمرة أحسن من وجه مالك”!

وقد جاء في قصة الخليفة هارون الرشيد (ت 193هـ/808م) مع الإمام المحدِّث الموسيقي إبراهيم بن سعد الزهري -التي سبق ذكرها- أن الرشيد سأله: “هل بلغك عن مالك بن أنس في هذا (= الغناء) شيء؟ قال: لا والله، إلا أن أبي أخبرني أنهم اجتمعوا في مدعاة (= وليمة) كانت في بني يربوع، وهم يومئذ جِلة (= علماء أكابر) ومالك أقلهم في فقهه وقدْره، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنّون ويلعبون، ومع مالك دف مربع وهو يغنيهم” أبياتا شعرية؛ وفقا لرواية الحافظ الخطيب البغدادي في ‘تاريخ بغداد‘.

فهذا النقلُ يندرج أيضا ضمن ما جاء من أخبار عن معرفة مالك بصناعة الغناء والموسيقى، وقد نقله حُجّة حافظ كبير خضع له أصحاب الحديث في عصره، واعترفوا له بالعلم والرواية، وينسجم صنيع مالك هذا مع ما قرره ابن خلدون من أن الموسيقى لم تكن أيامها “قادحا في العدالة والمروءة”.

وعلى كلٍّ؛ فإذا كان مالك يرى -في بعض الأقوال المروية عنه- أن ممارسة الغناء وسماعه حرام، رغم معرفته بصناعته حسبما أورده الحافظ الخطيب البغدادي والقرطبي المالكي وغيرهما دون تشكيك فيه؛ فإنّ فقهاء ومحدّثين ومقرئين كبارا غيره أتقنوا صناعته وأباحوا سماعه، وكانوا ممن يحضرون مجالسه؛ كما رأينا وسنرى لاحقا.
مواهب متعددة
فمن علماء القرن الهجري الثاني المعاصرين للإمام مالك والذين برعوا في الغناء: إسماعيل بن جامع القرشي المكي (ت 192هـ/807م) الذي “كان قد قرأ القرآن وسمع الحديث، ثم غلب عليه الغناء حتى فاق فيه أهل زمانه”؛ طبقا للمؤرخ ابن تَغْري بَرْدي (ت 874هـ/1470م) في ‘النجوم الزاهرة‘.

ورغم المستوى الرفيع لابن جامع في صناعة الموسيقى؛ فإن الفقيه الشافعي المؤرخ شهاب الدين النُّوَيْري (ت 733هـ/1333م) -في ‘نهاية الأرب‘- يثني على البعد الشعائري في شخصيته، فيقول: “كان ابن جامع من أحفظ خلق الله لكتاب الله تعالى، كان يخرج من منزله مع الفجر يوم الجمعة فيصلّي الصبح ثم يصفّ قدميْه حتى تطلع الشمس، فلا يصلّي الناس الجمعة حتى يختم القرآن ثم ينصرف إلى منزله، وكان حسن السّمت كثير الصلاة”.

وفي القرون اللاحقة؛ يلاقينا محدِّث موسيقي كان شيخا للإمام الذهبي، وهو شرف الدّين صالح بن محمد بن عَرَبْشاه الهَمَذاني (ت 716هـ/1316م)، قال عنه ابن حجر في ‘الدرر الكامنة‘: “ذكره الذَّهَبِيّ فِي مشيخته فَقَالَ: إِنْسَان مطبوع متواضع، يدْرِي الموسيقى وَيقْرَأ فِي التُّرَب (= مقابر الأعيان)”.

ومن المحدّثين الموسيقيين في هذا العصر المفتي الحنبلي فخر الدين محمد بن أحمد ابن محبوب (ت 792هـ/1390م)، الذي ترجم له الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ/1448م) -في ‘إنباء الغُمر‘- فقال إنه من تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ/1328م)، “وكان مكثراً من الحديث، وقد تفقّه على جدّه وأذِنَ له في الإفتاء، وكان فاضلاً ذكياً يتعانَى (= يتعاطى) كل شيء يراه حتى الخياطة والنجارة والبناء والموسيقى، مع حسن الشِّكَالة (= الشكل/الهيئة) ولطف المعاشرة ورقة النظم” للأشعار.

فمما تخبرنا به هذه الترجمة أنّ فخر الدين الحنبلي هذا ليس مجرد محدِّث أو راوية، بل كان مفتيا لحنابلة الشام ومن تلامذة ابن تيمية، وكان “مكثرا من الحديث” بعبارة ابن حجر، ومع ذلك كانت الموسيقى ضمن اهتماماته ومواهبه؛ فلم ير المترجِمُ ولا المترجَم له في ذلك بأساً يمنع من تعاطي ذلك أو من ذكره في ترجمته على وجه الاستحسان!!

التاريخ الإسلامي - تراث - احتفالات النصر

براعة تخصصية
على غرار أئمة المحدِّثين الأوائل في صدر الإسلام، وقد كان كثير منهم فقهاء عظماء في الوقت نفسه؛ تعلم كثير من الفقهاء -ومن مختلف المذاهب- صناعة الغناء والموسيقى. ويأتي في صدارة هؤلاء تلامذة للإمام مالك كانوا محدِّثون وفقهاء أيضا لكنهم تعلموا صناعة الموسيقى حتى فاقوا المتخصصين فيها عبر القرون.

ومن هؤلاء التلامذة الموسيقيين: مفتي المدينة عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجَشُون المالكي (ت 213هـ/828م) الذي نقل المِزِّي -في ‘تهذيب الكمال‘- عن الإمام ابن عبد البرّ المالكي القرطبي (ت 671هـ/1272م) أنّه “كان فقيها فصيحا دارت عليه الفتيا في زمانه إلى موته..، وكان مولعا بسماع الغناء ارتجالا وغير ارتجال. قال: وقال أحمد بن حنبل: قدِم علينا ومعه مَنْ يغنيه”!!

ويبدو أن موسيقية هذا الإمام تسربت إليه من تقاليد عائلته التي كانت مشهورة بين أهل المدينة بالعلم والفتيا وتعاطي الغناء، كما سبق ذكره عن جده يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، وكما في ترجمة أخيه يوسف بن عبد العزيز بن الماجشون (ت 183هـ/799م) الذي قال عنه تلميذه إمام أهل الحديث يحيى بن مَعِين (ت 233هـ/848م): “كنا نأتي يوسف بن الماجشون يحدثنا وجواريه في بيت آخر يَضربْنَ بالمِعْزفة (= آلة العزف)”؛ وفقا للمؤرخ ابن أيْبَك الصفدي (ت 764هـ/1363م) في ‘الوافي بالوفيات‘.

ومع ما كان عليه هذا الإمام المحدّث من تعاطٍ للغناء في بيته؛ فقد “روى له ‘الجماعة‘ سوى أبي داود (ت 275هـ/888م)”، أي أن البخاري (ت 256هـ/870م) ومسلم (ت 261هـ/875م) وثلاثة من أصحاب كتب السُّنن الأربعة -والستة هم المقصودون بـ”الجماعة”- كانوا ممن رَوَوْا عنه حديث رسول الله (ص) وأخذوا عنه العلم دون تحرُّج أو إنكار عليه!!

ومن تلامذة مالك الفقهاء والمحدّثين الموسيقيين: الموسيقار العظيم إسحق بن إبراهيم الموصلي (ت 235هـ/849م) الذي ترجم له الإمام الذهبي في ‘سير أعلام النبلاء‘؛ فكان مما جاء في ترجمته هذا التعريف العجيب:

“الإمام العلامة الحافظ ذو الفنون.. صاحب الموسيقى، والشعر الرائق والتصانيف الأدبية، مع الفقه واللغة وأيام الناس (= التاريخ والسِّيَر)، والبصر بالحديث، وعُلُوّ المرتبة! سمع من: مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة (ت 198هـ/814م)، وعدد كثير..، ولم يُكثر عنه الحفّاظُ [من طلبة الحديث النبوي] لاشتغاله عنهم بالدولة..، وقال المأمون (الخليفة العباسي ت 218هـ/833م): لولا شهرة إسحق بالغناء لوليته القضاء” لجلالته وأمانته وإمامته!!

التاريخ الإسلامي - تراث - التعايش الديني - المصدر:snappygoat

رحابة لافتة
ومن الطريف أن موقف المأمون هذا لم يمنع الموصلي من التشبث بعلاقته بعلماء الحديث والفقه، وحرصه على أن يظل موصولا بهم أكثر من رجال الوسط الفني الغنائي؛ فقد ذكر القاضي المؤرخ ابن فضل الله العمري الشافعي (ت 749هـ/1348م) -في ‘مسالك الأبصار‘- أنه “سأل إسحقُ الموصلي المأمونَ أن يكون دخوله إليه مع أهل الرواية والعلم لا مع المغنين، فإذا أراد الغناء غنّاه، فأجابه إلى ذلك، ثم سأله بعد ذلك أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء فأذن له”!!

وترجمة الذهبي السالفة لإسحق الموصلي مهمّة جدا في سياق حديثنا هذا؛ لأنها لمحدِّث ثقة يصفه إمام مثل الذهبي بـ”البصر بالحديث وعلوّ المرتبة”، ثم لم يمنعه ذلك من أن يكون إماما بارعا في صناعة الموسيقى! وأهم من ذلك كله تعليل الذهبي لكون تلامذة الموصلي من المحدِّثين لم يكثروا من رواية الحديث عنه بانشغاله عنهم بمجالس الغناء في بلاطات الخلفاء، ولو أن هؤلاء المحدّثين اتخذوا موقفاً ممانعاً لصناعته لما تتلمذوا عليه أصلا.

ومن ثمّ فإنّ الأمر يوحي برحابة الأفق التي كان علماء الشرع ينظرون بها إلى موضوع الغناء ومتعاطيه من نظرائهم العلماء، كما يؤكد شيوع الثقافة الغنائية في حضارتنا الإسلامية في تلك الحقبة الزمنية المبكرة، إلى الحد الذي تكون به داخلة ضمن “المنهاج الدراسي” كما جاء في بيان إسحاق الموصلي نفسه للطريقة التي أخذ بها تكوينه المتعدد الفنون والتخصصات.

فمما جاء في ترجمة الذهبي له: “عن إسحق الموصلي، قال: بقيتُ دهرا من عمري أغلِّس (= أذهب فجرا) كل يوم إلى هُشَيْم (بن بشير الواسطي ت 183هـ/799م) أو غيره من المحدِّثين، ثم أصير إلى الكسائي (ت 189هـ/805م) أو الفرّاء (ت 207هـ/823م).. فأقرأ عليه جزءا من القرآن، ثم إلى أبي منصور زلزل (ت نحو 186هـ/802م) فيُضاربني طَرْقَيْن (= لحنيْن غنائييْن) أو ثلاثة، ثم آتي عاتكة بنت شهدة (ت قبل 200هـ/815م) فآخذ منها صوتا أو صوتين (= كلمات غنائية)، ثم آتي الأصمعي (ت 216هـ/831م) وأبا عبيدة (مَعْمَر بن المثنَّى التيْمي ت 207هـ/822م) فأستفيد منهما” علوم اللغة والأدب.

أما فقهاء الشافعية العارفون بالموسيقى والغناء؛ فكان من أشهرهم الفقيه كمال الدين ابن يونس الموصلي (ت 639هـ/1241م) الذي يخبرنا الذهبيّ -في ‘السِّيَر‘- أنه “تفقّه بالنِّظامية (= المدرسة النظامية ببغداد) على السديد السَّلَمَاسي (محمد بن هبة الله ت 574هـ/1178م) في الخلاف [الفقهي]. وكان يُضرَب المثل بذكائه وسعة علومه؛ [فـ]ـاشتهر اسمه، وصنّف ودرّس، وتكاثر عليه الطلبة..، كان يشغل (= يُدرِّس) في أربعة عشر فنا، بحيث إنه يحلّ مسائل ‘الجامع الكبير‘ للحنفية، ويقرأ عليه أهل الذمة في التوراة والإنجيل”!!

التاريخ الإسلامي - تراث - العلماء التجار

نماذج مطردة
وأضاف الذهبي: “قال ابن خلّكان (قاضي القضاة المؤرخ ت 681هـ/1282م) وهو من تلامذته: كان شيخنا يعرف الفقه والأصلين (= علوم القرآن والحديث)، والخلاف، والمنطق، والطبيعي والإلهي (= من علوم الفلسفة)، والمِجَسْطي، وأقليدس، والهيئة، والحساب، والجبر، والمساحة، والموسيقى، معرفةً لا يشاركه فيها غيره، وكان يقرئ ‘كتاب سيبويه‘ [في النحو]، و‘مفصَّل الزمخشري‘ [في علوم العربية]، وكان له في التفسير والحديث وأسماء الرجال يد جيدة، وكان شيخنا ابن الصلاح (الشافعي ت 643هـ/1245م) يبالغ في الثناء عليه ويعظّمه”.

فهذا الفقيه المتعدد المذاهب والمتفنن في جُلّ الفنون، اشتغل بفنّ الموسيقى وصناعتها حتى أحكمها، دون نكير من أساتذته وتلامذته الذين كانوا من مختلف المذاهب الفقهية!!

وفي هذا العصر نفسه؛ يطالعنا السيوطي (ت 911هـ/1505م) -في ‘حسن المحاضرة‘- بنموذج آخر يتجلى في ترجمة الفقيه الحنفيّ الموسيقيّ قيصر بن أبي القاسم ابن مسافر (ت 649هـ/1251م)، الذي قال إنه “كان عالمًا بالرياضيات وأنواع الحكمة والموسيقى عارفًا بالقراءات فقيهًا حنفيًّا”.

ومن فقهاء الشافعية الموسيقيين شمس الدين حسن بن هبة الله الأدْفُوي (ت بعد 720هـ/1320م) الذي وصفه الصفدي -في ‘الوافي بالوفيات‘- بأنه “كان حسن الأخلاق خفيف الروح لطيفا..، حفظ [في الفقه الشافعي كتابَ] ‘المنهاج‘ للنووي (ت 676هـ/1277م)..، وكان أديبا شاعرا..، وكان يعرف شيئا من الموسيقى”.

ومثله بلديُّه كمال الدين جعفر بن تغلب الأدْفُوي (ت 748هـ/1347م) الذي ترجم له ابن حجر في ‘الدرر الكامنة‘، فنعته بـ”الأديب الْفَقِيه الشَّافِعِي… وصنف ‘الإمتاع فِي أَحْكَام السماع‘..، كَانَ عَالما فَاضلا متقلِّلاً عَن الدُّنْيَا”، وكتابه “الإمتاع” هذا مطبوع ويعدّ أهم مصنَّف في الخلاف الفقهي بشأن الموسيقى، وتوثيق أبرز مَن تعاطاها من أعلام السلف والعلماء منذ عصر الصحابة، ولذا قال عنه الإمام الشوكاني في رسالته المذكورة آنفا: “وهو كتاب لم يؤلَّف مثلُه في بابه”!

ومن علماء الشافعية الموسيقيين أيضا القاضي المفتي فَخر الدّين عُثْمَان بن عَليّ الأنصاري (ت 717هـ/1317م) الذي “وَلِيَ الْقَضَاء بقُوص [جنوبي مصر]، ودرّس وَأفْتى، وَكَانَ غزير المَال مشاركاً فِي الْأَدَب والموسيقي حسن الْخط”؛ وفقا لابن حجر -في ‘الدرر الكامنة‘- الذي يذكر أيضا شمس الدّين أَحْمد بن يحيى الْبكْرِيّ (ت 741هـ/1340م) قائلا إنه “تفقه للشَّافِعِيّ وأتقن الْخط الْمَنْسُوب والموسيقي، وَكَانَ حظيَّ الذِّكْر عِنْد الْمُلُوك”.
ظاهرة مثيرة
ورغم الصورة النمطية الشائعة عن فقهاء المذهب الحنبلي وقطيعتهم الحاسمة مع الموسيقى سماعا وممارسة؛ فالظاهر أنهم لم يشكلوا استثناء بين المذاهب الفقهية في هذا الشأن، ومن اللافت هنا حقا ظاهرة تعدد الفقهاء الموسيقيين بين رجال المذهب الحنبلي في القرن الثامن الهجري/الـ14م تحديدا.

فهذا القرن هو الذي شهدت فيه السلفية الحنبلية طفرتها الكبيرة الثانية لا سيما في بُعدها الإحيائي المتجلي في “المدرسة التيمية”، ومع ذلك نجد علماء حنابلة فقهاء ومحدثين غادروا مربع الانشغال بالخلاف في جواز سماع الموسيقى إلى التخصص في صناعتها مدارسة وممارسة، بل ووضعوا فيها كتبا كانوا يدرّسونها لطلابهم!!

ومن النماذج الحنبلية ذات الدلالة هنا -إضافة إلى المحدِّث والمفتي الحنبلي ابن محبوب الذي تقدم الكلام عنه- ما تورده كتب التراجم عن الفقيه الحنبلي السلفي مُحَمَّد بن جَنْكَلي (ت 741هـ/1340م) الذي كان -طبقا لتعبير ابن حجر في ‘الدرر الكامنة‘- “عَلّامَة فِي معرفَة فقه السّلف وَنقْل مذاهبهم، مَعَ مُشَاركَة فِي الْعَرَبيَّة والطب والموسيقى..، وَكَانَ عَارِفًا بالشطرنج والنرد..، كثيرَ البِرّ والإيثار لأهل الْعلم والفقراء..، كثير التَّوَاضُع رَقِيق الْقلب”.

ويترجم الصفدي -في ‘الوافي بالوفيات‘- للشيخ الحنبلي شمس الدين ابن كُرٍّ البغدادي (ت 763هـ/1362م) فينعته -وكان لقيه مرات- بأنه “الحنبلي إمام أهل عصره في علم الموسيقى، شغّل (= درّس) جماعةً من أكابر علم النغم وقرؤوا عليه، وهو صوفي الخرقة له زاوية عند مشهد الحسين بالقاهرة”.

فهذا الإمام كان حنبليا صلب الدين ولم يكن متفلتا ولا مستهترا في أخلاقه؛ فقد “قرأ القرآن.. وحفظ الأحكام.. في الفقه [الحنبلي]”، ويصفه الحنابلة أنفسهم بأنه “الشيخ المسند الحنبلي”؛ طبقا لابن العماد الحنبلي (ت 1089هـ/م) في كتابه ‘شذرات الذهب‘.

ثم يضيف الصفدي -وهو تلميذ لشيخ الإسلام ابن تيمية- مكملا لنا عناصر الخلطة المعرفية العجيبة التي اكتسبها هذا الفقيه الحنبلي، فيقول إنه “قرأ فن الموسيقى على القاضي علاء الدين ابن التراكيشي الحنبلي (ت 709هـ/1309م)، ووضع كتابا في فن الموسيقى سماه ‘غاية المطلوب في علم الأنغام والضُّروب‘، سمعت مقدمته منه بمنزله”.

وقبل الصفدي؛ ترجم لابن كُرّ الحنبلي هذا صديقُه القاضي الشافعي ابن فضل الله العمري -في ‘مسالك الأبصار‘- فقال عنه: “هو في علم الموسيقى فردٌ لا يُخْلَف، لحِق بالأوائل وما تخلّف، وأتى ببدائع الألحان وما تكلّف..، وقد خطّأ الفارابي (ت 339هـ/950م) في هذا العلم..، وله عِزُّ نفْسٍ وشَمَمُ (= أنَفَة) عفافٍ، ما اتخذ هذه الصناعة الطربية إلا ريحانا له لا استرزاقا بهـ[ـا]..، ولقد غنّى فأضحك [سامعيه]، وغنى فأبكى، وغنّى فأنام، فرأيتُ بعيني منه ما سمعتْه أذنايَ عن الفارابي، فصدَّق الخَبَرُ الخُبْرَ”!!

صور من التاريخ الإسلامي - مقتل الحلاج

مهارة استثنائية
وتأكيدا لتلك البراعة الموسيقية التي اتصف بها هذا الفقيه الحنبلي حتى مكّنته من التأثير النفسي في سامعيه؛ يورد ابن حجر قصة أغرب لدلالتها على تفننه في حركات الرقص حتى أمكنه ترقيص الحيوانات! فقد قال في ‘الدرر الكامنة‘: “مَرّ ابْن كُرّ على قوم يغنّون فحرّك بغلتَه حَتَّى مشتْ على إيقاعهم، وَهَذَا أعجبُ مَا يُحْكَى”!!

فابن كُرّ إذن -رغم حنبليته وكونه من علماء الحديث إلى درجة أنه شيخ للمحدّث العظيم الحافظ زين الدين العراقي (ت 806هـ/1403م) أستاذ الحافظ ابن حجر- كان مؤلِّفا ناقدا في صناعة الموسيقى، وناشرا لكتابه فيها بين طلابه وزوار بيته، وكما رأينا فقد أخذ الموسيقى عن فقيه حنبلي آخر هو التراكيشي الذي كان بارعا فيها!!

وقد أثبت هذه المهارةَ الموسيقية لابن كُرّ -دون نكير لها أو عليه- معظمُ من ترجموا له بمن فيهم حنابلة عصرنا، مثل ابن حميد النجدي (ت 1295هـ/1878م) في كتابه ‘السُّحُب الوابلة على ضرائح الحنابلة‘، وصالح بن عبد العزيز آل عثيمين الحنبلي النجدي (ت 1410هـ/1989م) في ‘تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة‘ المطبوع بتحقيق العلامة الحنبلي بكر أبو زيد (ت 1429هـ/2008م)، حيث قال إن ابن كُرّ “أخذ علم الموسيقى عن غير واحد ففاق الأقران وصنَّف فيه”.

وفي القرن التاسع الهجري/الـ15م؛ يطالعنا نموذج آخر وهو الإمام الحنفي الكمال بن الهمام (ت 861هـ/1457م)، الذي كان -وهو المتَّفَق على جلالته في العلم والفتوى- يتقن صناعة الموسيقى ضمن معارفه الموسوعية المتعددة شرعيا وأدبيا!

فقد ذكر السيوطي -في كتابه ‘بُغْية الوُعاة‘- أن الإمام ابن الهمام “أخذ العربية.. والتصوف.. والقراءات..، وسمع الحديث على الجمال الحنبلي..، وتقدم على أقرانه وبرع في العلوم، وتصدى لنشر العلم وانتفع به خلق. وكان علّامة في الفقه والأصول والنحو والتصريف والمعاني والبيان والتصوف والموسيقى وغيرها، محقِّقا جدليًا نظّارا”!!

وتواصلت ظاهرة الفقهاء الموسيقيين حتى بدايات العصر الحديث؛ فهذا المؤرخ الجَبَرْتي (ت 1240هـ/1825م) يترجم -في ‘عجائب الآثار‘- لعدد من العلماء الموسيقيين من مختلف المذاهب الفقهية في زمانه؛ فيذكر فيهم فقيها موسيقياً يبدو أنه حنفي، وهو حسن أفندي ابن حسن الضيائي المصري (ت 1180هـ/1794م) الذي “اشتغل بالعلم على أعيان عصره..، وكان شيخا مهيبا بهي الشكل منوَّر الشيبة..، وله معرفة في علم الموسيقى والأوزان والعَروض..، مع صرامة وشهامة وعزة نفس”.

ومن الفقهاء الذين ترجم لهم الجَبَرْتي: الفقيه الشافعي والمحدِّث أحمد بن محمد ابن شاهين الأزهري (ت 1188هـ/1802م) واصفا إياه بأنه “الإمام الفقيه العلامة المحدث الفرضي الأصولي الورع الزاهد..، واعتنى بالكتب الستة [في الحديث النبوي]..، وكان حسن التلاوة للقرآن حلوَ الأداء، مع معرفته بأصول الموسيقي، ولذلك ناطت به رغبة الأمراء.. مع كمال العفة والوقار..، ولم يُخلِّف بعده في جمع الفضائل مثلَه”.

Omran Abdullah - رسم من مخطوطة الدر النقي في علم الموسيقي يوضح العلاقات المتبادلة بين الأنماط الموسيقية وحروف الأبجدية والعناصر الأربعة وأيام الأسبوع - العصر الذهبي للإسلام في 125 مخطوطة علمية عربية جديدة في مكتبة قطر الرقمية

إقراء وغناء
ولم يقتصر شيوع التعاطي مع الموسيقى وأهلها بين المحدثين والفقهاء؛ بل يبدو أنّ كثيرا من علماء القراءات كانوا عارفين بالموسيقى كما رأينا في ترجمتيْ الفقيهين الحنفييْن: ابن مسافر والكمال بن الهمام، وكما نجده مثلا في ترجمة الذهبي -في ‘السِّيَر‘- لـ”شيخ المقرئين” الإمام أبي بكر ابن مجاهد البغدادي (ت 324هـ/936م) الذي يقول عنه: “الإمام، المقرئ، المحدِّث..، شيخ المقرئين..، وانتهى إليه علم هذا الشأن وتصدَّر مدة، وقرأ عليه خلق كثير..؛ وقيل: كان ابن مجاهد صاحب لطف وظرف يجيد معرفة الموسيقى”!!

فابن مجاهد كان من أئمة القراءات حتى لُقِّب بـ”شيخ المقرئين”، وهو من جملة المحدِّثين بحيث إنه معدود في مشايخ إمام عظيم مثل الدارَقُطْني (ت 385هـ/996م) وهو مَنْ هو في علوم الحديث، ورغم ذلك لم تمنعه معرفته للموسيقى من الرواية عنه.

ويؤكد أن علماءنا كانوا يفهمون الاختلافات في المشارب والظنيات الاجتهادية، ولم يحمل أحدهم قرينه على مذهبه ورأيه الاجتهادي. ومن العجيب حقا أنّ الذهبيّ يصف ابن مجاهد بأنه “صاحب لطف وظرف”، ثم يربط ذلك اللطف والظرف بثقافته الموسيقية!

ومن نماذج فئة القراء الموسيقيين المحدِّث المقرئ نصر بن الحسين النَّيْسابوريّ الغضائري (ت 544هـ/1149م)؛ فقد وُصف بأنه “مقرئ فاضل، حَسَن التّلاوة كثير العبادة والخير والنظافة، مبالغ في الطهارة، وكان يضع الطَرْقَ (= اللحن الغنائي) للأبيات الرّقيقة..، يعني كَانَ يعرف الموسيقى”؛ طبقا للذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘ الذي يترجم أيضا في العصر نفسه للمقرئ الحسن بن أحمد ابن الحُوَيْزي العباسي (ت 573هـ/1177م)، فيخبرنا بأنه “قرأ بالروايات.. وأقرأ القراءات والعربية بواسط [جنوبي العراق]، وكان يعلم الموسيقى، فِيهِ دين وتعبُّد”.

وغير بعيد عن طائفة المقرئين، وربما لجامع استحسان جمال النغمة في رجال الجماعتين؛ نجد أن فئة المؤذنين كان لها اهتمام خاص بفن الموسيقى واشتغال به، كما في ترجمة المؤذّن شمس الدِّين عثمان بْن مُحَمَّد ابن البُشْطاريّ (ت 696هـ/1297م) الذي يفيدنا الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- بأنه “كان موصوفًا بطِيب الصَّوت ومعرفة الموسيقى..، وعمِل المؤذّنون بدمشق عزاءَه” عند وفاته.

ميدان - الموسيقى الفلسطينية

وللوعاظ نصيب
بل إن الوعاظ انخرطوا هم أيضا في ممارسة الصناعة الموسيقية الإنشادية، حتى بلغوا فيها مستوى عاليا بحلول القرن السادس الهجري/الـ12م؛ مما جعل واعظا كبيرا مثل ابن الجوزي يدعو إلى ضبط هذه الظاهرة في مجالس الوعظ، مطالبا بـ”الاحتساب” على الصوفية في موضوع موسيقى الإنشاد.

يقول في ‘صيد الخاطر‘: “تأملتُ أشياء تجري في مجالس الوعظ يعقدها العوام وجهال العلماء قُرْبةً، وهي منكر وبُعْدٌ، وذاك أن المقرئ يطرب ويُخرج الألحان إلى الغناء، والواعظ يُنشد بتطريب أشعار المجنون وليلى؛ فيصفق هذا! ويخرق ثوبَه هذا! ويعتقدنّ أن ذلك قربة!! ومعلوم أن هذه الألحان كالموسيقى توجب طربا للنفوس [ونشوة]؛ فالتعرض بما يوجب الفساد غلط عظيم، وينبغي الاحتساب على الوعاظ في هذا”.

على أن ظاهرة الوعاظ الموسيقيين استفحلت كثيرا بعد عصر ابن الجوزي، ولعل خير مثال على ما وصلت إليه من تخصص وتعمق ما أورده الحافظ ابن حجر -في ‘إنباء الغُمْر‘- في ترجمة إمام الوعّاظ في عصره شهاب الدين أحمد بن محمد المعروف بالقرداح (ت 841هـ/1437م).

فقد قال ابن حجر إنه “انتهت إليه رياسة الفن (= فن الوعظ) ولم يكن في مصر والشام من يدانيه في هذا الوقت، فإنه كان طيب النغمة عارفاً بالموسيقى، يجيد الأعمال [الموسيقية] ويتقنها ولا ينشد غالباً إلا مُعْرِباً..، وكان يعمل الألحان وينقل كثيراً منها إلى ما ينظمه [من الأشعار]، فإذا اشتهر وكثُر العمل به تحوَّل إلى غيره، وهو أحد مفاخر الديار المصرية ولم يخلِّف بعدَه مثلَه”!!

ومن اللافت هنا أن براعة هذا الواعظ في الموسيقى لم تمنع ابن حجر -وهو المحدّث الحافظ والفقيه المفتي- من الثناء عليه، بل إنه -فوق ذلك- اعتبر ثقافته الموسيقية سببا في تفوقه على وعاظ زمنه وإمامته لهم!!

تطبيع صوفي
عُرف كثير من المتصوفة والوعّاظ بأنهم أهل سماع وإنشاد، فهم وإن اشتُهروا بالورع والذكرِ والزهد إلا أنهم كانوا يحبون السماع الصوفي بل وشيئا من الغناء الفني الصريح، وقد اشتطّ بعضهم في اعتبار ذلك وسيلة تربوية وعظية، واعتدل آخرون في سماعاتهم كَلِماً ونَغَماً.

وقد أفرد الإمام الغزالي بابا لمسألة “السماع والوَجْد” الصوفي في كتابه ‘إحياء علوم الدين‘، فكان مما نقله فيه عن شيخ الصوفية أبي طالب المكي (ت 386هـ/997م) قوله إنه “لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يَسمعون ‘السماع‘ في أفضل أيام السنة، وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره كأيام التشريق، ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا، فأدركنا أبا مروان القاضي (عبد الملك بن محمد المرواني ت بعد 344هـ/955م) وله جَوارٍ يُسْمِعْنَ الناس التلحين وقد أعدهنّ للصوفية” خاصة!!

هذا على مستوى تسويغ أهل التصوف لإدخالهم فن “السماع” إلى منظومتهم التربوية والسلوكية، ذلك الإدخال الذي يبدو من بعض القرائن التاريخية أنه اكتمل قبل نهاية القرن الخامس الهجري/الـ11م، حيث استقرت “طرائقهم في سماع الغناء والرقص”؛ طبقا لابن الجوزي في ‘المنتظم‘. أما على مستوى الممارسة العملية فتلاقينا نماذج متعددة لتعاطي رجالات التصوف للموسيقى بمستوياتها المختلفة، حتى إن بعضهم كان يوصي أن تشيّع جنازته في أجواء يسودها هذا “السماع”!

ومما ساعد في انتشار هذه الظاهرة بين الصوفية ما كانت تناله من دعم وتمويل يتكفل به غالبا رجال السلطة، لاسيما في عهود الدول السلجوقية والزنكية والأيوبية والمملوكية والعثمانية. ومن نماذج تلك الرعاية الرسمية ما يذكره الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- ضمن ترجمته للقائد العسكري والأمير المملوكي حسام الدّين الجُوكَنْدار العزيزيّ (ت 662هـ/1264م).

فقد ذكر أنه “كان فارسًا شجاعًا حازمًا، له في الحروب آثارٌ جميلة..، وكان مُحِبًّا للفُقَراء (= الصوفية) وأخلاقهم كثير البِرّ بهم، يجمعهم على السّماعات (= حفلات الإنشاد) الّتي يُضْرَب بها المثل” من حيث المبالغ المصروفة فيها؛ إذْ “كان يَغرَم على السّماع الواحد ثمانية آلاف دِرهم (= اليوم 10 آلاف دولار أميركي تقريبا)”. واستعرض الذهبي تفاصيل دقيقة لإحدى ولائم هذه الحفلات أقيمت سنة 659هـ/1261م.

ومن مستويات تعاطي الصوفية مع الموسيقى انفتاحهم على كبار المطربين وعدم تحرجهم من مخالطتهم والاستماع إليهم، كما نجده في ترجمة الموسيقار الْمُبَارَك بْن الأعز التُّوثيّ (ت 583هـ/1187م) الذي كان “مغنّي بغداد فِي عصره..، [فـ]ـكَانَ رأسًا فِي الغناء، وأخذ المطربون عَنْهُ الأنغام، وَلَهُ تصانيف فِي الموسيقى، وكان يخالط الصُّوفيَّة”؛ وفقا للذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘.

فقيهات في التاريخ الإسلامي

نماذج مستقيمة
أما عن ممارسة الموسيقى بين رجال الصوفية الموصوفين -في تراجم العلماء الثقات لهم- بالعلم والورع، وهم الذين نقصدهم هنا ونرصدهم وليس أصحاب الشطط والشطح منهم؛ فقد سبق لنا إيراد ما ذكره الصفدي -في ‘الوافي بالوفيات‘- عن شيخه في فن الموسيقى شمس الدين ابن كُرّ الحنبلي، ووصفه له بأنه كان رغم حنبليته وموسيقيته “صوفي الخرقة له زاوية عند مشهد الحسين بالقاهرة”.

كما يخبرنا ابن حجر أنّ الصوفي عارف بن محمد العجمي القاهري (ت 780هـ/1378م) “كان عارفاً بالموسيقى وانتهت إليه الرئاسة في ذلك، وكان أحد الصوفية بالبيبرسية (= المدرسة البيبرسية بالقاهرة)”، بل إنه يصفه مع ذلك بأنه “كان صالحاً له كرامات”.

وقد بقي الصوفية على نفس النهج المتعاطي للموسيقى حتى العصور المتأخرة، بل تعمق الأمر أكثر حتى دخل في صميم الصناعة الموسيقية وآلاتها المتخصصة، وتجاوز مستوى الاكتفاء بـ”السماع” الإنشادي الخفيف. وليس بمستغرب حينها أن الصوفية قد مهَّدت -من بوابة “السماع”- لتديين الطرب حتى سُميت حفلات الزواج “سماعا”، بل وضُربت الدفوف في جنائز مشايخ التصوف.

فهذا الإمام الذهبي يفيدنا بأن إقامة “السماع” على الموتى أصبح عادة صوفية في زمانه؛ فيقول -في ‘تاريخ الإسلام‘- مترجما للشيخ الصوفي مُسَيَّب ابْن الشَّيْخ عليّ الحريريّ (ت 696هـ/1297م) إنه “شيخ مبارك من أولاد المشايخ، تُوُفّي.. واحتفل الفقراء (= المتصوفة) لموته، وعملوا السّماع والطّعام على عادتهم” في تأبينه!!

ومن العجيب في مغالاة كثير من الصوفية في مسألة “السماع” أن بعضهم كان يتخير وقته للدعاء والابتهال إلى الله تعالى؛ فابن الجوزي يترجم -في ‘المنتظم‘- لصوفي محدِّث اسمه أبو الوفاء أحمد بن إبراهيم الفيروزآبادي (ت 528هـ/1134م) كان صديقا لشيخه أبي البركات عبد الوهاب بن مبارك الأنماطي البغدادي (ت 538هـ/1143م).

يقول ابن الجوزي إن الفيروزآبادي الصوفي هذا “سمع الحديث..، وخدم المشايخ المتصوفين..، كان يحفظ من سِيَر الصالحين وأخبارهم وأشعارهم الكثير، وكان على طرائقهم في سماع الغناء والرقص..، وكان يقول لشيخنا عبد الوهاب [الأنماطي]: إني لأدعو لك وقتَ السماع! وكان شيخنا يتعجب، ويقول: أليس هذا يعتقد أن ذلك وقت إجابة”!!

ومن موسيقيي الصوفية المتأخرين: الفقيه الحنفي الشيخ إسمعيل أفندي بن خليل الظهوري المصري (ت 1211هـ/1797م)، الذي يقول عنه الجبرتي إنه “كان إنسانا حسنا قانعا بحاله..، وله معرفة جيدة بعلم الموسيقى والألحان وضرب العود، وينظم الشعر وله مدائح وقصائد موشحات”. ويبدو أنّ الظهوريّ كان متصوفا أو فيه تصوف، لأنه كان يضرب بالعود في المدائح والموشحات، وهي غالبا عادة أهل التصوّف.

محمد الصياد

المصدر : الجزيرة

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى